السيد كاظم الحائري

549

تزكية النفس

كتاب الأخلاق : كثيرا ما يعبّرون عن قوّة العادة بقولهم : ( العادة طبيعة ثانية ) يعنون بذلك : أنّ لها من القوّة ما يقرب من ( الطبيعة الأولى ) . والطبيعة الأولى هي : ما ولد عليه الإنسان وفطر عليه . فكلّ إنسان خرج في هذا العالم كآلة مجهزة بكثير من العدد : عين تبصر ، وأذن تسمع ، ومعدة تهضم ، وغرائز فطريّة وهكذا ، فهذا الذي ولدنا عليه وورثناه من آبائنا وأجدادنا ، هو طبيعتنا الأولى . ولها سلطان كبير على الإنسان ، فلو حاول أن يبصر بأذنه ويسمع بعينه ما استطاع ، فهو لا بدّ أن يكون خاضعا لسلطانها . وما يدخله الإنسان على الطبيعة الأولى من التحسين والتقبيح هو ما يسمّى ( الطبيعة الثانية ) أو العادة . ولها كذلك سلطان كبير ، فالطريق الذي نختطّه لأنفسنا في الحياة ونعتاد السير فيه ، له من السلطان علينا ما يقرب من سلطان الطبيعة ، فنحن أحرار في السنين الأولى من حياتنا ، لا سلطان للعادة علينا حتّى إذا نمونا كان نحو التسعين في المئة من أعمالنا - من لبس وخلع وطريقة وأكل وشرب ونمط في الكلام والسّلام والمشي والمعاملة - معتادا نعمله بقليل من الفكر والانتباه ، ويصعب علينا العدول عنه ، وتصبح حياتنا مجرّد تكرير لأفكار وأعمال كسبناها في أوّل عهدنا بالحياة . . . وقوّة العادة هي التي تجعل المسنّين يرفضون الآراء الجديدة والمستكشفات الحديثة ، على حين نرى الأحداث يسرعون في اعتناقها والعمل بها ؛ ذلك لأنّ المسنّين ألفوا نوعا خاصّا من الآراء ، واعتادوا السير عليه حتّى صاروا يكرهون ما يخالفه ، أمّا الشبّان والأحداث فلم يألفوا نوعا خاصا من الآراء ؛ لذلك كانوا على استعداد لقبول ما تقوم البراهين على صحّته . ومن الأمثلة على ذلك ما حدث للطبيب الشهير هارفي ( 1578 - 1657 ) الذي استكشف الدورة الدمويّة في الإنسان ، فقد أعلن استكشافه ، وأيّده بالبراهين ، ولكن ظلّ الأطبّاء يرفضون القول به نحوا من أربعين سنة ؛ لأنّهم اعتادوا أن يفكّروا أن لا دورة . ورحّب بالاستكشاف الأحداث ؛ لمرونتهم وعدم